فصل: قال مجد الدين الفيروزابادي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فقلت له ذات يوم: يا رسول الله أي قوم النصارى؟ قال: لا خير فيهم ولا فيمن يحبهم قلت في نفسي: أنا- والله- أحبهم. قال: وذاك حين بعث السرايا وجرد السيف. فسرية تخرج وسرية تدخل والسيف يقطر قلت: يحدث بي الآن أني أحبهم، فيبعث إلي فيضرب عنقي، فقعدت في البيت فجاءني الرسول ذات يوم فقال: يا سلمان أجب رسول الله قلت: هذا- والله- الذي كنت أحذر قلت: نعم. اذهب حتى ألحقك قال: لا والله حتى تجيء، وأنا أحدث نفسي أن لو ذهب فأفر.
فانطلق بي حتى انتهيت إليه، فلما رآني تبسم وقال لي: يا سلمان ابشر فقد فرج الله عنك، ثم تلا على هؤلاء الآيات {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} إلى قوله: {لا نبتغي الجاهلين} قلت: يا رسول الله- والذي بعثك بالحق- سمعته يقول: لو أدركته فأمرني أن أقع في النار لوقعتها، إنه نبي لا يقول إلا حقًا، ولا يأمر إلا بالحق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} قال: نزلت في عبد الله بن سلام لما أسلم أحب أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعظمته في اليهود، ومنزلته فيهم، وقد ستر بينه وبينهم سترًا فكلمهم ودعاهم فأبوا فقال: أخبروني عن عبد الله بن سلام كيف هو فيكم؟ قالوا: ذاك سيدنا وأعلمنا قال: أرأيتم إن آمن بي وصدقني أتؤمنون بي وتصدقوني؟ قالوا: لا يفعل ذاك. هو أفقه فينا من أن يدع دينه ويتبعك، قال أرأيتم إن فعل؟ قالوا: لا يفعل قال: أرأيتم إن فعل؟ قالوا إذًا نفعل، قال: أخرج يا عبد الله بن سلام فخرج فقال: أبسط يدك أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فبايعه، فوقعوا به وشتموه وقالوا: والله ما فينا أحد أقل علمًا منه، ولا أجهل بكتاب الله منه قال: ألم تثنوا عليه آنفًا؟ قالوا: إنا استحينا أن تقول اغتبتم صاحبكم من خلفه. فجعلوه يشتمونه فقام إليه أمين بن يامين فقال: أشهد أن عبد الله بن سلام صادق، فابسط يدك فبايعه، فأنزل الله فيهم {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} يعني إبراهيم واسمعيل وموسى وعيسى وتلك الأمم وكانوا على دين محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنيس رضي الله عنه في قوله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} قال: هؤلاء قوم كانوا في زمان الفترة متمسكين بالإِسلام، مقيمين عليه، صابرين على ما أوذوا، حتى أدرك رجال منهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما أتى جعفر وأصحابه النجاشي أنزلهم، واحسن إليهم، فلما أرادوا أن يرجعوا قال من آمن من أهل مملكته: ائذن لنا فلنصحب هؤلاء في البحر، ونأتي هذا النبي فنحدث به عهدًا، فانطلقوا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهدوا معه أحدًا وخيبر ولم يصب أحد منهم فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائذن لنا فلنأت أرضنا فإن لنا أموالًا فنجيء بها فننفقها على المهاجرين، فانا نرى بهم جهدًا، فأذن لهم فانطلقوا، فجاءوا بأموالهم فانفقوها على المهاجرين، فأنزلت فيهم الآية {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون}.
وأخرج ابن ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: إن قومًا من المشركين أسلموا فكانوا يؤذونهم، فنزلت هذه الآية فيهم {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا}.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} قال: أناس من أهل الكتاب أسلموا فكان أناس من اليهود إذا مروا عليهم سبوهم، فأنزل الله هذه الآية فيهم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} قال: لا يجاورون أهل الجهل والباطل في باطلهم، أتاهم من الله ما وقذهم عن ذلك.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر. ورجل كانت له أمة فأدبها وأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها. وعبد مملوك أحسن عبادة ربه، ونصح لسيده».
وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين». اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

.قال السمين:

قوله: {وَصَّلْنَا} العامَّةُ على التشديد: إمَّا من الوصلِ ضدِّ القطع أي: تابَعْنا بعضَه ببعض. وأصلُه مِنْ وَصْلِ الحَبْل. قال الشاعر:
فَقُلْ لبني مروانَ ما بالُ ذِمَّتي ** بحبلٍ ضعيفِ لا يَزال يُوَصَّل

وإمَّا: جَعَلْناه أَوْصالًا، أي: أنواعًا من المعاني. قاله مجاهد. والحسن قرأ بتخفيفِ الصاد. وهو قريبٌ ممَّا تقدَّم.
قوله: {الذين آتَيْنَاهُمُ} مبتدأٌ، و{هم} مبتدأ ثانٍ، و{يؤْمِنون} خبرُه. والجملةُ خبرُ الأولِ و{به} متعلِّقٌ ب {يُؤْمِنون}. وقد يُعَكِّر على الزمخشريِّ وغيرِه مِنْ أهل البيانِ حيث قالوا: التقديمُ يُفيد الاختصاصَ وهنا لا يتأتَّى ذلك، لأنهم لو خَصُّوا إيمانَهم بهذا الكتابِ فقط لَزِمَ كفرُهم بما عَداه، وهو عكسُ المرادِ، وقد أبدى أهلُ البيانِ هذا في قوله: {آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [الملك: 29] فقالوا: لو قَدَّم {به} لأَوْهَمَ الاختصاصَ بالإِيمان بالله وحدَه دونَ ملائكتِه وكتبِه ورسلِه واليومِ الآخر، وهذا بعينِه جارٍ هنا. والجوابُ: أنَّ الإِيمانَ بغيرهِ معلومٌ فانصَبَّ الغرضُ إلى الإِيمانِ بهذا.
{أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54)}.
قوله: {مَّرَّتَيْنِ} منصوبٌ على المصدرِ. و{بِمَا صَبَرُواْ} ما مصدريةٌ. والباءُ تتعلَّق ب {يُؤْتَوْن} أو بنفسِ الأَجْر. اهـ.

.قال مجد الدين الفيروزابادي:

بصيرة في وصل:
وصلَ الشيء بغَيْرِه فاتَّصَلَ.
ووَصَّلَ الحِبالَ وغيرها تَوْصِيلًا: وَصَلَ بعضَها ببَعْضِ، ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} أَي أَكْثَرْنا لهم القَوْلَ موصولًا بعضُه ببعضٍ.
وخَيْطٌ مُوَصَّلٌ: فيه وَصْل كثيرٌ.
وغُصْنٌ مٌوَصَّلٌ: فيه غُصْنٌ غَرِيبٌ، قال:
وإِذا ما نَكَحْت فانْكح غَرِيبًا ** ومن الأَقْرَبِين لا يَتَوَصَّلْ

فأَلَذُ الثِّمار حُسْنًا وطِيبًا ** ثَمرٌ غُصْنُه غَرِيبٌ مُوَصَّلْ

ووَصْلَنِى بعد الهَجْر وواصَلَنِى، وصَرَمَنى بعد الوَصْل والصِّلة والوِصال ووَصَلَت شَعْرَها بشَعر آخر، ولَعَنَ الله الواصِلةَ والمستوصِلَة وقطع اللهُ أَوْصالَه، أَي مَفاصِلَه والوَصْلُ يكون في الأَعْيان وفي المَعانِى قال الله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}.
وقوله تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ} أَي يَنْتَسِبُون، يقال: فلانٌ مُتَّصِلٌ بفلان: إِذا كان بيْنَهما نِسْبة أَو مُصاهرة.
وقولُه تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ} قيل هي التي وَصَلَت أَخالها من أَولاد الغنم فلم تُذْبَح.
كان إِذا وَلَدَت لهم شاةٌ ذَكَرًا وأُثْنَى قالوا وَصَلَتْ أَخاها.
وقيل: الوَصِيلة: الناقَةٌ التي وَصَلَتْ بين عشرة أَبْطُن، ومن الشاءِ التي وَلَدَت سبعَة أَبْطُن عَناقَيْن عناقَيْن، فإِن ولدت في السَّابعة عَناقًا وجَدْيًا قيل: وصلت أَخاها فلا يَشْرَب لَبَنَ الأُمّ إِلاَّ الرّجالُ دون النِّساءِ، ويجرى مجرى السّائبَةِ.
وقيل: الوَصِيلَةُ خاصّة بالغَنَم، كانت الشَّاةُ إِذا ولدت الأُنْثَى فهى لهم، وإِذا وَلَدَت ذكرًا جعلوه لآلِهَتِهم، فإِن ولدت ذكرًا وأُنْثى قالوا: وصلت أَخاها فلم يَذْبَحُوا الذَكَر لآلهتهم.
وقيل: الوصيلةُ: شاةٌ وَلَدت ذكرًا ثم ولدت أُنْثَى، فتصل أَخاها فلا يذبحون أَخاها من أَجْلِها، فإذا ولدت ذكرًا قالوا هذا قُرْبانٌ لآلهتنا.
وَوَصِيلُك: من يَدْخُلُ مَعَكَ ويَخْرُجُ معك.
والاتِّصال ضدّ الانفصال، وهو عند العارفين على ثلاث مراتب:
اتصال العلم والعمل، واتصال الحال والمعرفة، واتصال الوِجْدانِ والوُجود، وهو أَنْ يَجِدَ العبدُ رَبَّه بعد أَن كان فاقدًا، فهو بمنزلة من كان يطلُب كَنْزًا ولا وُصُول له إِليه فظفر به بعد ذلك ووَجَدَه واستَغْنَى به غايةَ الغِنى، فهذا اتِّصال الوجود، كما في الأَثر: اطْلُبْنى تَجِدْنى، فإِنّ وَجَدْتَنِى وَجَدْت كُلُّ شيء، وإِنْ فُتُّكَ فاتَكَ كلُّ شيء.
وهذا الوُجود من العبد لِرَبِّه يتنوّع بحسب حال العبد ومَقامه، فالتائب الصّادق في تَوْبته إِذا تاب إِليه وَجَد غفورًا رحيمًا، والمتوكِّلُ إِذا صَدَقَ في تَوَكُّله وَجَده كَافِيًا حسيبًا، والدّاعِى إِذا صَدَق في الرَّغْبة إِليه وَجَده قرِيبًا مُجِيبًا، والمحبّ إِذا صَدَق في مَحَبَّتِهِ وَجَده وَدُودًا حبيبًا، والملهوف إِذا صَدَق في الاستِعانة وَجَده كَاشِفًا للكرْب مُخَلِّصًا منه، والمضطرُّ إذا صَدَق في الاضْطِرار إِليه وَجَده رَحِيمًا مُعِينًا، والخائفُ إِذا صَدَق في الَّلَجإِ إِليه وَجَده مُؤَمِّنًا من الخوف، والراجى إِذا صَدَق في رَجائه وَجَده عند ظَنِّه به؛ فمُحِبُّه وطالِبُه ومريدُه ومن لا يَبْتَغِى به بَدَلًا ولا يرضَى بسِواهُ عِوَضًا إِذا صَدَق في محبّته وإِرادتِه وجَده أَيضًا وُجُودًا أَخصّ من تلك الوجودات، فإِنَّه إذا كان المُريدُ منه يَجدهُ فكيف مُرِيدُه ومُحِبُّه! فيظفر هذا الواجِدُ بنَفْسِه وبِرَبِّه، أَمَّا ظَفَرُهُ بنَفْسه فتَصِير مُنقادةً له، مطيعةً تابعةً مَرْضاتِه، غيرَ أَبِيَّةٍ ولا أَمَّارة، بل تَصِير خادمةً له ومملوكةً بعد أَنْ كانت مخدومةً مالكةً.
وأَمّا ظَفَرُه بربّهِ فقُرْبُه منه وأُنْسُه به، وعِمارَةُ سِرِّه به، وفَرَحُهُ وسُرُورُه أَعظم فَرَح وسرور.
فهذا حقيقة اتصال الوُجود.
وأَمّا اتصالُ العِلْمِ والعملِ قد يُسَمُّونَه اتَّصال الاعْتِصام، فهو بتصحيح القَصْ، ثمَّ تصفيته الإِرادة، ثم تحقيق الحال.
وتصحيح القصد يكون بشيئين: إِفرادُ المقصود، وجمعُ الهمِّ عليه؛ وحقيقته توحيدُ القصد والمقصود، فمتى انْقسم قصده أَو مقصوده لم يكن اتّصاله صحيحًا.
وأَمّا تصفية الإِرادة فهو تخليصُها من الشوائب وتعلُّقِها بالسِّوى أِو بالأَعْراض، بل قيل هي التي وَصَلَت أَخاها من أَولاد الغنم فلم تُذْبَح.
كان إِذا وَلَدَت لهم شاةٌ ذَكَرًا وأُنْثى قالوا وَصَلَتْ أَخاها.
وقيل: الوَصِيلة: الناقَةٌ التي وَصَلَتْ بين عشرة.
أَبْطُن، ومن الشاءِ التي وَلَدَت سبعةَ أَبْطُن عَناقَيْن عناقَيْن، فإِن ولدت في السّابعة عَناقًا وجَدْيًا قيل: وصلت أَخاها فلا يَشْرَب لَبَنَ الأُمّ إِلاَّ الرّجالُ دون النَّساءِ، ويجرى مجرى السّائبَةِ.
وقيل: الوَصِيلَةُ خاصّة بالغَنَم، كانت الشَّاةُ إِذا ولدت الأُنْثَى فهى لهم، وإِذا وَلَدَت الأُنْثَى فهى لهم، وإِذا وَلَدَت ذكرًا جعلوه لآلِهَتِهم، فإِن ولدت ذكرًا وأُنْثى قالوا: وصلت أَخاها فلم يَذْبَحُوا الذَكَرَ لآلهتهم.
وقيل: الوصلةُ: شاةٌ وَلَدت ذكرًا ثم ولدت أُنْثَى، فتصل أَخاها فلا يذبحون أَخاها من أَجْلِها، فإِذا ولدت ذكرًا قالوا هذا قُرْبانٌ لآلهتنا.
وَوَصِيلُك: من يَدْخُلُ مَعَكَ ويَخْرُجُ معك.
والاتِّصال ضدّ الانفصال، وهو عند العارفين على ثلاث مراتب:
اتصال العلم والعمل، واتصال الحال والمعرفة، واتصال الوِجْدانِ والوُجود، وهو أَنْ يَجِدَ العبدُ رَبَّه بعد أَنْ كان فاقدًا، فهو بمنزلة من كان يطلُب كَنْزًا ولا وُصُول له إِليه فظفر به بعد ذلك ووَجَدَه واستَغْنَى به غايةَ الغِنى، فهذا اتِّصال الوجود، كما في الأَثر: اطْلُبْنى تَجِدْنى، فإِنْ وَجَدْتَنِى وَجَدْت كُلَّ شيء، وإِنْ فُتُّكَ فاتَكَ كلُّ شيء.
وهذا الوُجود من العبد لِرَبِّهِ يتنوّع بحسب حال العبد ومَقامه، فالتائب الصّادق في تَوْبته إِذا تاب إِليه وَجَده غفورًا رحيمًا، والمتوكِّلُ إِذا صَدَقَ في تَوَكُّله وَجَده كافِيًا حسيبًا، والدّاعِى إِذا صَدَق في الرَّغْبة إِليه وَجَده قرِيبًا مُجِيبًا، والمحبّ إِذا صَدَق في مَحَبَّتِهِ وَجَده وَدُودًا حبيبًا، والملهوف إِذا صَدَق في الاستِعانة وَجَده كَاشِفًا للكرْب مُخَلِّصًا منه، والمضطرُّ إِذا صَدَق في الاستِعانة إِليه وَجَده رَحِيمًا مُعِينًا، والخائفُ إِذا صَدَق في اللَّجَإِ إِليه وَجَده مُؤَمِّنًا من الخوف، والراجي إِذا صَدَق في رَجائه وَجَده عند ظَنِّه؛ فمُحِبُّه وطالِبُه ومريدُه ومن لا يبْتَغِى سبه بَدَلًا ولا يرضَى بسِواهُ عِوَضًا إِذا صَدَق في محبّته وإِرادتِه وجَده أَيضًا وُجُودًا أَخصّ من تلك الوجودات، فإِنَّه إِذا كان المُريدُ منه يَجدُه فكيف مُرِيدُه ومُحِبُّه! فيظفر هذا الواجِدُ بنَفْسِه وبِرَبِّه، أَمَّا ظَفَرُهُ بنَفْسه فتَصِير مُنقادةً له، مطيعةً تابعةً مَرْضاتِه، غيرَ أَبِيَّةٍ ولا أَمَّارة، بل تَصِير خادمةً له ومملوكةً بعد أَنْ كانت مخدومة مالكةً.
وأَمّا ظَفَرُه بربّهِ فقُرْبُه منه وأُنْسُه به، وعِمارَةُ سِرِّه به، وفَرَحُهُ وسُرُورُه أَعظم فَرَح وسرور.
فهذا حقيقة اتصال الوُجود.
وأَمّا اتصالُ العِلْمِ والعملِ قد يُسَمُّونَه اتَّصال الاعْتِصام، فهو بتصحيح القَصْد، ثمَّ تصفيته الإِرادة، ثم تحقيق الحال.
وتصحيح القصد يكون بشيئين: إِفرادُ المقصود، وجمعُ الهمِّ عليه؛ وحقيقته توحيدُ القصد والمقصود، فمتى انْقسم قصده أَو مقصوده لم يكن اتّصاله صحيحًا.
وأَمّا تصفية الإِرادة فو تخليصُها من الشوائب وتعلُّقِها بالسِّوى أَو بالأَعْراض، بل تكون إِرادةً صافية عن ذلك كله، بحيث يكون تعلُّقه بالله وبمراده الدّينِىّ الشرعىّ.
ثم تحقيق الحال بأَن يكون له حالٌ محقَّق لا يكتِفى بمجرّد العِلْم حتَّى يصحبَهُ العملُ، ولا لمجرّد العملِ حتى تصحبَه الحالُ، فتصير الإِرادة والمحبَّةُ والإِنابةُ والتوكُّلُ وحقائقُ الإِيمان حالًا لقلبه، بحيث لو انقطعت جوارِحهُ كان قَلْبُه في العمل والسَّيْر إِلى الله، وربّما يكون عملُ قلبِه أَقْوَى من عملِ جَوارحِه.
وأَمّا اتَّصالُ الحال والمعرفة التي يسمّونه اتصالَ الشهُّود، فهو الخَلاصُ من الاعْتِلال، والفَناءُ عن الاستِدْلال، وهذه المنزلة أَعْلَى من اتِّصال الاعْتصام، لأَنَّ الأُولَى اتصالٌ بصحة المقصود والأَعمال، وهذا اتِّصالُ برؤيةِ مَنِ العَمَلُ له، فيتخلَّصُ العبدُ بذلك مِنْ عِلَل الأَعمالِ واستِكْبارها واسْتحْسانها والسُّكون إِليها. اهـ.